عبد الملك الجويني

215

نهاية المطلب في دراية المذهب

الذين لم يعفوا ، وإن اقتضت القسمة تكسيراً ، أكملنا الكسر في حكم الإسقاط تغليباً لموجب العفو . ولو أراد مستحق الحدّ أن يعاوض ( 1 ) عن الحد ، ففي جواز الاعتياض وجهان مشهوران : أحدهما - الجواز ، كمفاداة المرأة في حِبالة النكاح ، وإن كان المفتدي لا يستحق شيئاً منها . 11080 - ولم أسمع خلافاً في أن مستحق الحدّ لا يقيمه ، بل يرفعه إلى مجلس القضاء ، والسبب فيه إعظام ( 2 ) الاجتهاد في الحمل على الاقتصاد ، وقد قيل : من يضرب مائةَ سوط على إبلاغٍ في الإيلام الناجع يستمكن من القتل بعشرين سوطاً ، فلا وجه إلا الرفع إلى من إليه الأمر ، وقد نيطت به الأمانات والولايات ، وهو مبرّأ عن الذحول ( 3 ) والأحقاد . هذا متفق عليه . وقد اتفق الأئمة على أن من استحق القصاص في اليد ، لم يكن له أن يستبد باستيفاء القصاص دون الإمام ، أو من استنابه ، وكذلك القول في القتل ، والأمر في القتل من وجهٍ في حكم الاستبداد أهون ؛ فإن النهاية المحذورةَ المَثُلَةُ ، والقطعُ إذا فرض الإسراف فيه [ خيف ] ( 4 ) إفضاؤه إلى الهلاك ، ولكن لو قَتَل مستحقُّ القصاص ، وقع الاعتداد به قصاصاً ، وكذلك لو قطع . ومن قتل من آحاد المسلمين زانياً محصناً ، وقع قتله حداً ، ولو أقام جلداً على زانٍ بكرٍ ، لم يعتدّ بجلده ، وعُدّ عدواناً ، والحدّ قائم كما كان ، ولو استوفى المقذوف الحدَّ بنفسه ، فليس يبعد عن القياس المصيرُ إلى وقوعه موقع الاعتداد كالقطع ، سيّما إذا صدر عن [ إسلامٍ ] ( 5 ) من المحدود وإقدامٍ من المقذوف صادرٍ عن رضاه ، ولكن

--> ( 1 ) ت 4 : " يعتاض " . ( 2 ) ت 4 : " عظم أمر الاجتهاد " . ( 3 ) الذحول : الذَّحْل : الثأر ، والحقد . ويجمع على ذحول ، وأذحال ( المعجم ) . ( 4 ) في الأصل : " حقيق " . والمثبت من ( ت 4 ) . ( 5 ) في الأصل : " استدام " ، والمثبت من ( ت 4 ) . ومعنى إسلامٍ من المحدود ، أنه يُسْلم نفسه لمستحِق الحد راضياً بإقامته عليه .